فوزي آل سيف

52

فقه العلاقات الاجتماعية

وكذا لو استأجر شخصا ليعمل عنده في السياقة أو الزراعة او الكتابة ، أو حمل المتاع أو غير ذلك ، فمن المهم أن يعلم الأجير مقدار ذلك العمل وهل هو بالزمان كالساعات ، أو مقدار العمل وأن يتفقا عليه . بل إن نفس العين لو كان لها أكثر من استعمال ، وكان يختلف أجره بحسبه ، فإنه لا بد من تعيين ذلك الاستعمال .. كما يقول الفقهاء : " إذا كانت للعين التي يراد استيجارها منافع عديدة يمكن أن تستوفى منها ، فلا بد في عقد الإجارة من أن تعين المنفعة المقصودة في العقد والتي يبذل المستأجر بإزائها المال ، فإذا كانت الدار يمكن أن تكون للسكنى فيها ، ويمكن أن تتخذ مخزناً لبعض الأموال ، ويمكن أن تجعل معرضا لبعض البضائع في التجارة ، ويمكن أن تستعمل معملا لبعض المنتوجات ، ويمكن أن تتخذ موضعا لنزول المسافرين ، فلا تصح إجارة الدار حتى يعين المستأجر في العقد أي منافع الدار يريد تملكها . وكذلك العقار والأرض وسائر الأعيان المملوكة إذا كانت المنفعة فيها تقع على أنواع ، فيجب تعيين المنفعة المقصودة ويصح للمستأجر أن يستأجر العين بجميع منافعها ، فتكون جميع منافع العين المستأجرة ملكا له يستوفي منها ما يشاء"[166] . وإن من المشاكل التي نلاحظها في حياة الناس والتي تجر في كثير من الأحيان إلى عداوات ، وربما اعتداءات هي أن يطلب شخص من آخر عملاً ، فلا يتفقان على تفاصيله في البداية لكي يختلفا اختلافا كبيراً في النهاية . وأبسط مثال على ذلك وأكثره شيوعاً ما نجده في وسائل النقل المستأجرة ( التاكسي ) فيقول لك اركب ، أو لن نختلف ، أو لا يتحدثان أصلاً ، فإذا وصل إلى المكان المعين ، طلب منه أجرة غير الذي كانت في ذهن الراكب فيختلفان ويتناقشان مدة لو كانا في البداية قد اختصراها بمعرفة ما يناسب كلا منهما لكان الأمر واضحاً . وهكذا لو استأجر شخصا للعمل فإنه في كثير من الأحيان لا يعرف العامل طبيعة العمل وهو هو شاق وكثير أو هو سهل قليل المدة ، والمستأجر بدوره يتصور أن هذا العامل سيأخذ مثلما أخذ العامل الفلاني وهو مبلغ بسيط .. حتى إذا انتهى اليوم ، حصلت المشكلة فهذا العامل يرى أن المبلغ المعطى له لا يفي بعمل نصف اليوم ، بينما يرى المستأجر أنه قد ( أكرمه ) وأعطاه أكثر مما يستحق ! ولهذا فقد ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يستأجر الأجير ولا يعرف أجره ) ذلك ما بينه الإمام الرضا عليه السلام في ما روي عنه ( إذا استعملت أو استأجرت أجيراً من غير مقاطعة في أجره لو زدت عليه ثلاثة أضعاف ظن أنك نقصت من أجره ولو قاطعته على الأجر ثم زدته على ذلك لشكرك ). نعم لو كان معلوما إجمالاً بحيث لا يكون هناك غرر ، فلا بأس به .. ولعل كثيراً مما يقع بين الناس وتتم المعاملة على طبقه من غير اتفاق تفصيلي عائد إلى هذه الجهة " فالظاهر أنه يكفي في صحة إجارة السيارة ونحوها من وسائل النقل إلى مكة أو إلى المدينة أو إلى غيرهما من البلدان ، العلم بين البلدين من المسافة على وجه الإجمال ، وإن جهل مقدارها على نحو التفصيل ، فإن الجهل به كذلك وبمقدار ما يتطلبه السير من الزمان لا يوجب غررا على أحد المتعاقدين . وهذا هو المتعارف عند عامة العقلاء ، فيكفي هذا المقدار من العلم بالمنفعة في صحة هذه الإجارة وأمثالها إذا كان رافعا للجهالة في نظر أهل العرف ورافعا للغرر ، وهي بسبب ذلك لا تعد معاوضة على منفعة مجهولة "[167] بل إن التوجيهات الدينية تأمر بكتابة ما تعاقدوا عليه ( في الأمور الخطيرة ) والتي يحتاج فيها إلى الرجوع لنص الاتفاق وحدوده ، لكيلا ينسى موضوع الاتفاق أو يختلف فيه .. وما ذكر

--> 166 ) كلمة التقوى - الشيخ محمد أمين زين الدين - ج 4 - ص 255 167 ) نفس المصدر ص 256